ابن عربي
93
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ولهذا كنّى عنه بالصّبا التي هي الريح الشرقية مطالع النور . ممسّكا يفوح ريّاه لنا * من زهر إهضامك أو زهر الرّبا قوله : ممسكا مجعول فيه المسك ، وهو طيب يخرج من حيوان ، أي هذا الطيب انبعث من مقام الحياة تفوح رائحته لمشامّ العارفين ، وقوله : من زهر إهضامك أو زهر الرّبا يقول : إنه من مقام التنزيل الإلهي الوارد على ألسنة الرسل في الكتب المنزّلة ، وكنّى عنه بالإهضام ، وهو الذي أورق التواضع عند العارفين ، فنالوا بذلك المراتب العلى ، وقد يكون أيضا من مقام حجاب العزة الأحمى في بحر العمى ، فكنّى عن ذلك بالربا جمع ربوة ، كما قال تعالى : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ [ المائدة : 66 ] بمنزلة الرّبا هنا وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 5 ] ، كالإهضام هنا ، وشبهه بهذه الأزهار العطرية ، لأنها أوائل التجليات ودلائل على معارف ذوقية تأتي بعدها كما يأتي عقد الثمر بعد الزهر ، ثم قال : [ إشارته إلى الرؤية ] يا بانة الوادي أرينا فننا * في لين أعطاف لها أو قضبا ريح صبا يخبر عن عصر صبا * بحاجر أو بمنى أو بقبا يخاطب ميل الكون إلى جناب الحق يقول : إني ميلك ونعمتك من ميل حضرة الحق إليك ونعمتها وظهور أنوارها عليك ، وذلك لأنّ ميلك إليها ميل افتقار واستفادة وميلها إليك ميل غناء وإفادة فلا نسبة إلّا من حيث النقيض وذكر الفنن لما في لفظه من الفنون ، وهي أنواع المعارف ، وذكر القضب لحملها القضيب يشير إلى المعارف الذوقية ، وذكر الأعطاف وهو جمع عطف ، وهو العطف الإلهي التي تتضمنه الرحمة الشاملة المطلقة التي وسعت كل شيء وبها حاج إبليس سهل بن عبد اللّه التستريّ « 1 » ، فقال له : التقييد صفتك يا سهل لا صفته ، فإنّ اللّه لا يحجر بعد السّعة ، ولكن يقسم أنواع المشارب على عباده فيعطي قوما من وجه ما ، ويعطي آخرين من وجه آخر ، فلا يتقيد على الحق شيء تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا فرحمته المتقين من باب الوجوب الإلهي الذي أوجبه على نفسه ورحمة غير المتقين من باب المنة والفضل ، كما كان التقوى للمتقين من باب المنة والفضل ، إذا فرحمته على بابها وسعت كل شيء ، وقوله : ريح صبا تخبر عن عصر صبا ، يقول : نسيم روح المعارف من جانب الكشف والتجلي
--> ( 1 ) هو سهل بن عبد اللّه بن يونس التستري ( 200 - 283 ه - 815 - 896 م ) ، أبو محمد أحد أئمة الصوفية وعلمائهم والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيون الأفعال . له كتاب في « تفسير القرآن » مختصر ، وكتاب « رقائق المحبين » وغير ذلك . الأعلام 3 / 143 ، وطبقات الصوفية 206 ، وحلية الأولياء 10 / 189 ، والرسالة القشيرية ص 400 - 401 .